منهج الدعوة الإسلامية
في تأصيل أخلاقيات الأعمال والمسؤولية الاجتماعية
بحث مقدم للمؤتمر العلمي السادس لجامعة فيلادلفيا
عمان-الأردن
التحديات التي تواجه منظمات الأعمال المعاصرة
بعنوان:الأزمة المالية العالمية
13-14/5/2009م
إعداد:
د. تركي بن عبد الله السكران
أستاذ الدعوة المساعد
الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة
كلّـيّة الدعوة وأصول الدين
قسم الدعوة
1430هـ-2009م
M
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فيقاس تقدم الشعوب ورقيها بأصالة أخلاقيات وأدبيات تعاملاتها الإنسانية المتعددة سواء أكانت: دينية، أو اجتماعية، أو اقتصادية.
وليس ثمة جدل في أهمية الجانب الاقتصادي في حياة الإنسان، إذ هو عصب حياته وضرورة من ضروريات حياته التي يجب المحافظة عليها، وفطرة فطره الله على محبتها: ﴿ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [سورة الفجر: 20 ].
بيد أن تلك الأهمية، والمحبة هي في المنهج الإسلامي هي وسيلة لا غاية، وسيلة لئلا يعيش المرء عالة على غيره، تؤدي به إلى الاستقلالية والفاعلية، وتبتعد به عن استجداء الآخرين أعطوه أو منعوه.
والمسلم يقوم بذلك إدراكاً لمسؤوليته الاجتماعية، التي تدفعه أن يكون عنصراً تفاعلياً في أخذه وعطائه، وفي تأثره وتأثيره، إذ هو مدني بطبعه، لا غنى له عن المجتمع الذي يعيش فيه.
ويمكن إبراز أخلاقيات التعاملات المالية وآدابها في المنهج الإسلامي من خلال إقراره لكثير من أسس التعاملات المالية، والعلاقات التجارية، من خلال آيات الكتاب الكريم ومنها: قول الله تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [سورة النساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ﴾ [سورة : ٢٨٠]، وقوله تعالى: ﴿ﯖ ﯗ﴾ [سورة المطففين: ١]. ونحوها من الآيات.
وفي السنة المطهرة تبرز أخلاقيات الأعمال وأثرها الفاعل في تكامل المسؤولية الاجتماعية في: النهي عن الغش، والتدليس، والغرر، والنجش، والنهي عن بيع الأخ على بيع أخيه، فهي معلم رئيس في أخلاقيات التعاملات الاقتصادية.
وفي توظيف بديع لأخلاقيات التعاملات المالية في تحقيق المسؤولية الاجتماعية، جاءت الأحاديث المحرمة للإضرار بالمجتمع اقتصادياً في نحو: (من غشّ فليس منا)، و(المحتكر ملعون والجالب مرزوق)، و(من نفّس عن مسلم كربة نفّس الله عنه من كرب القيامة)، وكذلك الحال في إقرار مبدأ الخيار في البيع حال النص عليه شرطاً أو في مجلس البيع، وإقرار مبدأ إقالة المسلم لأخيه المسلم، ونحوها من أخلاقيات وأدبيات التعاملات الاقتصادية.
كما قام المسلمون الأوائل بتطبيق مبدأ أخلاقيات الأعمال وتوظيفها كمسؤولية اجتماعية، مع قيامهم بنشر العلم، ولعل في سيرة الصحابة الكرام كأبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، والتابعين الكرام كأبي حنيفة النعمان وغيرهم ما يؤكد تلك الأخلاقيات.
ولما كان البعد عن تلك الأخلاقيات من أسباب الأزمات المادية قديماً وحديثاً، كان لزاماً على ذوي العلم والفضل إعادة بيانها للمجتمع عن طريق نشرها، وإيضاحاها للأفراد والجماعات، كل من واقع تخصصه ومكانته.
ولعل في هذه الدراسة ما يبرز الدور الرائد للمنهج الإسلامي في إقرار تلك الأخلاقيات ونشرها سعياً للوصول إلى حل تكاملي للأزمة المالية التي يمرّ بها المجتمع بأسره حالياً، وفقا للخطة التالية:
أولا: المقدمة، وتشمل:
1 – التعريف بمصطلحات البحث الرئيسة.
2- أهمية الدراسة.
3-أهداف الدراسة.
4- فرضيات الدراسة.
5- مشكلة الدراسة.
6- الدراسات السابقة.
ثانيا: المبحث الأول: العمل في الإسلام، ويشمل:
1-نظرة الإسلام إلى العمل.
2-ماهية العمل في الإسلام.
3-محاربة الإسلام للبطالة.
ثالثا: المبحث الثاني: أخلاقيات الأعمال وأثرها في المسؤولية الاجتماعية، ويشمل:
1-أخلاقيات الأعمال المطلوبة من العامل.
2-أخلاقيات الأعمال المطلوبة من رب العمل.
رابعا: المبحث الثالث: أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال، وطرق تقويمها، ويشمل:
1- أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال.
2- أبرز طرق تقويم أخلاقيات الأعمال.
خامسا: الخاتمة وتشمل:
1- ملخص البحث.
2-أهم التوصيات.
سادسا: المصادر والمراجع.
المقدمة :
1- التعريف بمصطلحات البحث الرئيسة:
أ- تعريف الأخلاق في اللغة:
تدور كلمة: “أخلاق” في اللغة غالبا حول: “الطبع والسجية، والمروءة والدين”.
جاء في القاموس: “الخُلْقُ بالضم السجية والطبع والمروءة والدين”([1])، وورد في لسان العرب: “الخُلُقُ والخُلْقُ السجية. فهو بضم الخاء وسكونها الدين والطبع والسجية”([2]).
ويقول أيضا: “وحقيقته أي الخلق، أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة”([3]).
ومن خلال ما تقدم يتضح:
1- أن الخُلُق يدل على الصفات الطبيعية في خلقة الإنسان الفطرية على هيئة مستقيمة متناسقة.
2- أن الأخلاق تدل على الصفات المكتسبة حتى أصبحت كأنها خلقت معه حتى أضحت جزءا منه.
3- أن للأخلاق جانبين: جانب نفسي باطني، وجانب سلوكي ظاهري([4]).
ب- تعريف الأخلاق في الاصطلاح:
عرف العلماء الأخلاق اصطلاحا بتعريفات متعددة، ومن أهم تلك التعريفات:
1- أن الأخلاق: “حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية”([5]).
2- أن الأخلاق: “مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح، ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه”([6]).
3-أن الأخلاق: “التحلي بالمليح والتخلي عن القبيح”.
والملاحظ: أن الأخلاق في المعنى الاصطلاحي لا تبتعد كثيراً عن المعنى اللغوي، “فالعلماء يريدون بها تلك الصفات التي تقوم بالنفس على سبيل الرسوخ، ويستحق الموصوف بها المدح أو الذم ([7]).
جـ-: معنى الأعمال في اللغة والاصطلاح:
العمل لغة كما في القاموس: “المهنة والفعل وجمعه أعمال، وأعمله واستعمله غيره، واعتمل عَمِل بنفسه”([8]).
والظاهر: أن هناك فرقاً بين العمل والمهنة فكل مهنة عمل وليس كل عمل مهنة لأن المهنة تقتضي الإتقان والمعرفة الدقيقة بخلاف العمل، فقد يعمل الإنسان في عمل لا يتقنه فلا يمكن تسميه ممتهناً له حتى يتقنه إلا أن يتجوز في ذلك.
وعليه فإن مفهوم العمل بمعناه الواسع في الإسلام هو: “كل جهد وعمل مادي أو معنوي أو مؤلف منهما معاً يعد عملاً في نظر الإسلام، فعامل المصنع ومديره، والموظف في الدولة، والتاجر، وصاحب الأرض، والطبيب، والمهندس، كل هؤلاء عمال في الدولة الإسلامية”([9]).
د-: معنى المنهج لغة واصطلاحا:
أصل المنهج في اللغة “الطريق الواضح البين”([10]).
يقصد بالمنهج الإسلامي: تلك النظرة الإسلامية الفاحصة المتروية لأي أمر كان.
والمقصود هنا هو معرفة أخلاق الأعمال وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
2- أهمية الدراسة:
تعود أهمية الدراسة إلى أهمية المبدأ الذي تقوم عليه؛والمتمثل في أساس من الأسس التي يقوم عليها الدين الإسلامي؛بل جميع الأديان السماوية تحث عليه؛وهو التزام الخلق الفاضل؛وجعله رائدا في جميع مناحي الحياة؛بما في ذلك الناحية الاقتصادية ؛وهي الناحية الأهم؛إذ هي عصب حياة أي مجتمع وقوامه.
وبما إن الإنسان:” مدني بطبعه”؛وهو محتاج لغيره حتما؛كان لتأصيل أخلاقيات للتعاملات الاقتصادية بين أفراد المجتمع أهمية بالغة في حياة الفرد والمجتمع، ولذا اعتنى القرآن الكريم بها أيما عناية، حيث بينت سور القرآن الكريم وآياته أسس الأخلاق ومكارمها([11]).
وكذلك اعتنت السنة النبوية بأخلاقيات الأعمال عناية فاقت كل التصورات، حيث عد بعض العلماء -فيما وقع لهم- أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوها ستين ألف حديث: عشرون منها في العقائد، وأربعون في الأخلاق والمعاملات.
وهذا بلا شك دليل على مدى عناية السنة المطهرة بالأخلاق كعناية القرآن الكريم الذي ورد فيه قول الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ [سورة القلم: 4]، وقوله: ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [سورة الأعراف: 199].
وبناء على ذلك يمكن بيان أهمية دراسة المنهج الإسلامي في تأصيل أخلاقيات الأعمال؛والمسؤولية الاجتماعية؛في العناصر التالية:
1- إن دراسة علم الأخلاق والسلوك من أفضل العلوم وأعلاها قدراً.
2- إن السلوكيات الأخلاقية والآداب المرعية، هي التي تميز سلوك الإنسان عن غيره من المخلوقات في تحقيق حاجاته الطبيعية.
3- إن هدف الأخلاق الرئيس هو: تحقيق السعادة في الحياة الفردية والجماعية، وفق المنهج الإسلامي.
4-إنها وسيلة من أهم وسائل نجاح الإنسان في حياته، لها أثرها الفاعل في مختلف مجالات الحياة العامة.
5-إنها وسيلة رئيسة للنهوض بالأمة الإسلامية، واستعادة دورها الريادي في نشر الدين الحنيف من خلالها، كما نشر دين الله في شرق آسيا.
أهداف الدراسة :
تهدف هذه الدراسة إلى محاولة تحقيق الأمور التالية:
1- بيان أهمية الأخلاق في حياة الأفراد والمجتمعات.
2- بيان فضل المنهج الإسلامي وريادته في تأصيل تلك الأخلاق؛وتفعيلها بين أفراد المجتمع.
3- بيان مكانة العمل وماهيته في الإسلام .
4- بيان خطر البطالة على المجتمعات الإنسانية؛ومحاربة الدين الإسلامي للبطالة داخل المجتمعات الإسلامية.
5- ايضاح أهمية أخلاقيات الإعمال وإثرها في المسؤولية الاجتماعية.
6-توضيح أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال داخل المجتمعات الإسلامية.
7- محاولة رسم آلية واضحة لتقويم أخلاقيات الأعمال داخل المجتمعات الإسلامية.
فرضيات الدراسة
[12])
1- للإسلام منهجية متميزة في تأصيل أخلاقيات الأعمال .
2-للإسلام قصب السبق في تحقيق المسؤولية الاجتماعية.
3- الخلل العقدي والفكري من أهم أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال ؛مالية كانت أو اجتماعية.
4-المنهج الإسلامي منهج رائد في علاج الأزمات المالية على اختلاف أنواعها.
مشكلة الدراسة:
تعود مشكلة الدراسة إلى ما لاحظه الباحث من أهمية رسم منهج واضح للدعوة الإسلامية يتم من خلاله رصد أسباب الأزمة المالية العالمية ؛ وما خلفته تلك الأزمة من تبعات أثرت على مسيرة الاقتصاد في العالم بأسره ؛غابت معه أخلاقيات الأعمال ؛ وأضحت معه المسؤولية الاجتماعية ؛والتكافل الاجتماعي حتما لازما على الفرد والمجتمع .
والدعاة أول من يجب عليهم القيام بمحاولة وصف علاج ناجع لتلك الأزمة ؛ تسعد من خلاله البشرية ؛ ويقضى من خلاله على البطالة ؛قياما بالواجب الشرعي الذي استأمنهم الله عليه.
الدراسات السابقة :
يقر الباحث أن موضوع الأخلاق في الإسلام قد سبق دراسته في العديد من المصادر والمراجع المختصة بالأخلاق وفضائل الأعمال؛ كما هو مبين في ثبت مصادر ومراجع هذه الدراسة.
بل إن القرآن الكريم؛والسنة النبوية المطهرة؛اللذان هما أساس التشريع الإسلامي؛ قد سبقا في التنبيه على أهمية الأخلاق؛ وفضائل الأعمال ؛ وأثرهما الفاعل في كافة مناحي الحياة.
إلا أن الباحث لم يطلع فيما توفر لديه من المصادر والمراجع ؛ على دراسة خاصة ببيان أثر منهج الدعوة الإسلامية في علاج ما تتعرض له أخلاقيات الأعمال في المجتمع من قصور ؛ تؤثر سلبا على أفراد المجتمع في علاقتهم مع بعضهم البعض؛ أو مع غيرهم ؛ مما يعود بالنفع على ذلك المجتمع.وهذا ما تهدف هذه الدراسة إلى تحقيقه بإذن الله-عز وجل.
المبحث الأول:
العمل في الإسلام
ويشمل:
1-: نظرة الإسلام إلى العمل:
نظر الإسلام إلى العمل نظرة احترام وتمجيد، فمجد العمل، ورفع قيمته، وربط كرامة الإنسان به، بل إنه جعله فريضة من فرائضه التي يثاب عليها فهو مأمور به.
ولا شك أن من أطاع أمر الشارع فهو مثاب، فعمل الإنسان عبادة وأي عباده؟ حتى عد الشارع العمل في سبيل قوت الإنسان وقوت عياله، وفي سبيل رفعة أمته وتحقيق الخير في مجتمعه أفضل عند الله من المتعبد الذي يركن إلى العبادة ويزهد في العمل، كما عد الخمول والترفع عن العمل نقصاً في إنسانية الإنسان، وسبباً في تفاهته وحطته.
ولذا فقد حث القرآن الكريم من خلال سوره وآياته على العمل فقال سبحانه وتعالى: ]ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ [ [سورة الجمعة: 10]، وقال عز وجل: ] ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ [ [سورة الملك: 15].
كما أن كتب السنة النبوية المطهرة مليئة بالأحاديث الدالة عل الحث على العمل، وترك العجز والكسل، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد
طعاماً قط خيراً من يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)([13]).
كما أن الإسلام سلك مسلكا أخر غير مباشر في الحث على العمل فقد حث على إعانة الفقير وجعل المعين خيراً من المعان من جهة نوال الأجر والثواب ففي الحديث المتفق على صحته: (اليد العليا خير من اليد السفلى).
2-: ماهية العمل في الإسلام:
إن الناظر في الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة يلحظ أن طلب العمل جاء عاماً مطلقاً غير مقصور على عمل معين، وغير مقيد بشيء سوى الحل الشرعي، وهذا يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية، ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب كالتجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والإجارة وسائر ما يباشره الإنسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي بغرض الكسب الحلال([14])، مادام أنه يرمي إلى تحقيق مصلحة الإنسان وتحقيق التقدم والرفاه له……([15]).
ومن المعلوم أن الله قد خلق الإنسان لعبادته، وطلب منه عمارة الأرض كما قال عز وجل: ﴿ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾ [سورة هود: 61].
وبناء على ما تقدم فليس في الإسلام عمل لا قيمة له، بل كل عمل يقوم به المسلم هو عمل جليل إذا كان مباحاً سادا لخلته وعوزه مغنيا له عن مسألة الناس،أعطوه أو منعوه.
وبناء على ذلك فإن قيمة الإنسان وإنسانيته محفوظة لا تنقص بسبب ما يباشره من عمل وان عده بعض الناس عملاً لا قيمة له. وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لأهل مكة. حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله ؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).([16]) وكذلك كان الأنبياء قبله صلى الله وسلم يعملون في حرف مختلفة، فقد قال تعالى عن داود عليه السلام: ﴿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾. [سورة الأنبياء، 80].
والمراد باللبوس: الدروع.
قال القرطبي رحمه الله عند تفسير هذه الآية: “هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب لا قول الجهلة الأغبياء ، القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثاً، ونوح نجاراً، ولقمان خياطاً، وطالوت دباغاً، وقيل سقاءً، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس”.([17])
ولأن قيمة الإنسان في نظر الإسلام بحسب دينه وتقواه، لا يحسب ماله وغناه، ولا بحسب عمله ومهنته.
فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه ويستغنى عن الناس خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه).
وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم على دريهمات لأهل مكة، “ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة، كما وجدنا بعض الصحابة الكرام يؤجرون أنفسهم لغيرهم للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء اجر معلوم”([18]).
والجدير بالذكر أن العمال إلى عهد قريب “كانوا يترقون في كل باب من أبواب هذه الصناعات، وكانت ترقية العامل من عريف إلى معلم تعلن في حفل إسلامي السمات يحضره أساتذة الحرفة………”([19]).
وفي هذا دليل ساطع على أن كل مهنة محترمة مادامت في دائرة الحلال، فأصحابها محترمون كذلك، وهذا هو المنظور الإسلامي الصحيح للعمل.
3- محاربة الإسلام للبطالة:
حث الإسلام على العمل -كما سلف- وكره البطالة ومقتها بل منعها، وذلك يتفق مع فطرة الإنسان المفطور على تلبية حاجاته الضرورية وغير الضرورية التي تهيئ له الحياة الكريمة، وبناءً على ذلك فإن الذين يندفعون إلى العمل للحصول على تلك الأشياء هم منسجمون مع الفطرة السليمة، أما الذين يميلون إلى الكسل والخمول والعزوف عن العمل ويخلدون إلى الراحة فإنهم يناقضون الفطرة السليمة مناقضة ظاهرة.
ومن سلبيات البطالة دون سبب -كعجز أو شيخوخة- أنها تؤدي إلى تعطيل القوى والمواهب الإنسانية وما لها من دور فاعل في رقي الأمة، كما أنها سبيل إلى الفقر والعوز وإضافة أعباء أخرى على الأمة.
كما أن البطالة قد تدفع المجتمعات إلى حافة الهاوية فتعرضها إلى أخطار لا حصر لها.
المبحث الثاني:
أخلاقيات الأعمال وأثرها في المسؤولية الاجتماعية
يقصد بأخلاقيات الأعمال: “الأخلاق التي يجب توافرها في العامل، وفي صاحب العمل على حد سواء”.
وقبل تفصيل تلك الأخلاقيات يجدر التنبيه إلى:
أن الأصل في الإنسان المسلم أن يتمسك بالعقيدة الإسلامية التي تدعو إلى مكارم الأخلاق، وتنهى عن سفاسفها، وبالتالي فالواجب على المسلم أن يتعرف على الأخلاق الكريمة، ومع ذلك فإن تلك المعرفة لا تكفى بل على الإنسان المسلم أن يسلك السلوك الأخلاقي في حياته كلها، ومنها أخلاق العمل.
“والأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطر السليمة، فالبشر كانوا ولا يزالون يعدّون الصدق والوفاء بالعهد والجود والشجاعة والصبر أخلاقاً أصيلة يستحق صاحبها الثناء والتكريم، ولا يزالون يعدّون الكذب والغدر والجبن أخلاقاً سيئة ترفضها العقول السليمة، وتذم صاحبها، والشريعة جاءت داعية إلى المعروف من الأخلاق، وتنهى عن المنكر منها”([20]).
ومما سبق يظهر أن الناس على اختلاف مللهم ونحلهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم يقسمون الأخلاق إلى: أخلاق كريمة وأخلاق ذميمة،وهم يميلون إلى الأخلاق الكريمة بفطرهم السليمة، ويستقبحون الأخلاق الذميمة بعقولهم الصريحة، فكيف إذا جاءت الشريعة الإسلامية تثبت الأخلاق الكريمة في الفطر المستقيمة، وتنهى عن الأخلاق الذميمة حتى لا يقع فيها أحد؟، وكيف إذا حذرت من الوقوع فيها اشد تخدير، ورتبت على ذلك الجزاء في الدنيا، والآخرة، لمن اتبع ولمن امتنع؟.
وفيما يلي تفصيل لأبرز أخلاقيات الأعمال وفق العناصر التالية:
1-: أخلاقيات الأعمال المطلوبة في العامل:
إن أساس الأخلاق المطلوب توافرها في العامل هما خلقا: القوة والأمانة.
وتكاد تندرج جميع أخلاق الأعمال – أو معظمها – تحت هذين الخلقين المهمين.
ومن هنا سيفصل الباحث الحديث عن هذين الخلقين أولاً، ثم يتبع بذكر بعض أخلاق الأعمال الأخرى المطلوب توافرها في العامل وذلك على النحو التالي:
1-القوة:
القوة في الأصل ضد الضعف “تستعمل تارة في معنى القدرة نحو قوله: ] ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ[، ويستعمل ذلك في البدن وفي القلب([21]).
وقوة العامل المكلف بعمل أشياء والسعي في أمور تحتاج الذهاب والإياب، تقتضي عاملا قوى البدن، وقوة الفلاح تكمن في بدنه، وقوة الصانع تكمن في معرفته بصنعته ومهارته فيها، والمهندس تكمن قوته في عمله وحسن تخطيطه، والمدرس تكمن قوته في معرفته بتخصصه وحسن تعليمه.
وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله: “والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاة القلب وإلى الخبرة بالحروب.. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، والى القدرة على تنفيذ الأحكام” ([22]).
وهذه الأعمال التي يتولى بعض الناس القيام بها هي ولايات وأمانات دون شك فلينظر الإنسان موقعه من حمل تلك الأمانة.
2- الأمانة:
الأمانة خلق أوجبه الإسلام، واعتز بها العرب في جاهليتهم، فكانوا إذا أرادوا أن يمتدحوا إنساناً وصفوه بالأمانة، وقد أكد القرآن الكريم في كثير من الآيات على هذا الخلق، فقال تعالى: ﴿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [سورة المؤمنون: 8]، وقال تعالى: ﴿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [سورة النساء: 58].
والواقع أن أمور الناس لا تستقيم إلا بالأمانة، ومنها أن يخلص في عبادته، وأن يحسن الانتفاع بوقته، وأن يحسن العامل، والصانع، والتاجر عمله, وأن يجتهد فيه، ومن الأمانة أن يحسن الموظف عمله، وأن يؤدي ما عليه من مسؤولية وتبعة تجاه المواطنين والدولة والأمة جميعاً.
ولا شك أن هذا الخلق الجميل أساس من أسس الدين وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أمانة ولا دين لمن لا أمانه له).
“ولما كانت الأمانة خلق الفطرة السليمة والطبع الكريم الأصيل كان النبي صلى الله عليه وسلم معروفاً بها بين قومه قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم”([23]).
وعليه فإذا أجمعت القوة والأمانة في شخص معين فهو أحرى بالقيام بعمله على الوجه الأكمل، وهو الأجدر بالعمل من غيره، وان كان اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل كما يقول ابن تيمية رحمه الله .
ويظهر مما سبق: “أن خير الأجراء من تمتع بقوة الجسم واتصف بالأمانة، فإن قوة الجسم هي المعينة على أداء العمل وانجازه، وأن الأمانة هي الحافز الذي يدفع العامل إلى إحسان العمل وإتقانه وإجادته، وهي الخلق الذي يحول بينه وبين الغش والإهمال ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾، ولا يطمح أصحاب العمل ولا يريدون من العامل أكثر من ذلك” ([24]).
هذا ويمكن تلخيص أبرز واجبات العامل في العناصر التالية:
1- أن يعرف العامل ما هو المطلوب منه وما هي واجباته ومنطلقات عمله وأن يكون العقد بين العامل وصاحبه واضحاً لا لبس فيه.
2- أن يشعر بالمسؤولية تجاه العمل الذي كلف أو تعاقد عليه وارتبط به.
3- أن يؤديه على أحسن الوجوه أيا كان نوع العمل سواء كان موظفاً أو صانعاً أو مزارعا أو مهندساً أو طبيباً أو معلماً ونحو ذلك.
4- أن يؤدي ذلك بأمانة وإخلاص دون غش أو إهمال أو تقصير لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه).
5- عدم الخيانة في العمل بكل صورها وأشكالها([25])، فتضييع الأوقات خيانة، والغش خيانة، وأخذ الرشوة خيانة، وتعطيل أعمال الناس خيانة، فكل من تقلد عملاً. مهما كان نوعه ولم يؤده وفق ما طلبه منه الشرع الحنيف فهو خائن لأمانته والله تعالى يقول: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [سورة الأنفال:27].
6- عدم استغلال عمله وظيفته ليجر بذلك نفعاً إلى نفسه أو قرابته، أو من هم دونه، دون وجه شرعي ،إذ يعد هذا الاستغلال جريمة، لأن المال العام أمانة ، كما شدد الإسلام على ضرورة التعفف عن استغلال النفوذ وشدد على رفض المكاسب المشبوهة، وقصة ابن اللتبية معروفة مشهورة([26]).
ثانياً: أخلاقيات الأعمال المطلوبة في رب العمل:
لما كان من المؤمل في العامل أن يكون متخلقاً بأخلاق معينه، فرب العمل هو الأخر يؤمل فيه توافر أخلاق معينة لديه ،كما أن هناك واجبات يجب عليه القيام بها ،كي تستمر العلاقة بينهما علاقة إنسانية كريمة.
ومن أبرز تلك الأخلاق والواجبات ما يلي:
1- أن يبين رب العمل للعامل ماهية العمل المراد انجازه مع بيان ما يتعلق بذلك من المدة والأجر.
2- أن لا يكلفه فوق طاقته. لقول الله تعالى: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [سورة البقرة:286]، وإذا كلفه فوق طاقته فعليه أن يعينه على ذلك التكليف.
3- أن يعامله بالحسنى و أن تكون نظرة صاحب العمل إلى العامل نظرة إنسانية يحترم فيها إنسانية، إذ العامل إنسان يتمتع بكل خصائص الإنسانية التي كفلها له الشرع الكريم ، فلا يجوز له أن يهينه، أو يحتقره،أو يظلمه.
4- أن لا يبخسه حقه عند التعاقد على أي عمل من الأعمال فينبغي أن يكون الأجر على قدر العمل “ففي ظلال الإسلام يتحتم على صاحب العمل أن يعطى العامل جزاء عمله وثمرة جهده بصورة متناسبة مع حقه تناسباً تاماً، و على العامل أن يقتصر على أخذ حقه فحسب فلا ينبغي له أن يطالب صاحب العمل بأكثر من حقه، وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لك من الأجر على قدر نصيبك ونفقتك)([27]).
5- أن يعطيه حقه عند فراغه من عمله دون مماطلة، لأن هذا الحق أصبح ديناً وأمانة في عنق صاحب العمل عليه أن يؤديه كما قال صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)([28]).
6- أن يكون رحيما بالعامل حين الخطأ، والصفح عنه إذا لم يكن مقصرا، ولو تكرر منه الخطأ، جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: كم يعفو عن الخادم؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اعف عنه في اليوم سبعين مرة)([29]).
المبحث الثالث:
أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال و طرق تقويمها
ويشمل:
1- تراجع أخلاقيات الأعمال:
يجدر بالباحث ابتداء الإشارة إلى حقيقتين هامتين هما:
1- إن المجتمع الإسلامي في تاريخه الطويل مع ما كان فيه من أعداد هائلة من العمال سواء في الأرض، أو المصنع، وعند الدولة، أو الأفراد لم يوجد ما يسمى بالمشكلة العمالية لأن العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية التي سادته حرمت الظلم تحريماً قاطعاً، وأمرت أصحاب العمل كما أمرت غيرهم أن ينظروا إلى العمال نظرة إنسانية لها حقوقها المشروعة.
2- لم تكن الأحكام الشرعية التي عالجت شؤون العمل والعمال منفصلة عن بقية الأحكام الشرعية التي تعالج مشكلات الإنسان الأخرى.
ولما كان ذلك كذلك فما أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال في المنظور الإسلامي؟.
أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال في المنظور الإسلامي:
على الرغم من كون الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ، وأنها منهج حياة متكامل- كما سبق بيانه-، إلا أن القارئ للتأريخ يجد أن هناك من سلك سلوكاً يتنافى وأخلاقيات الأعمال إما عمداً، أو في غفلة من إيمانه، ولم يلتزم التزاماً كاملاً بالمعاني الأخلاقية التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، وهي إن كانت لا تشكل ظاهرة، إلا أن ذلك أمر يستحق الوقوف عنده، ومحاولة الكشف عن أسبابه، ويمكن حصر
أبرز تلك الأسباب في العناصر التالية:
1- الخلل العقدي:
يقصد بالخلل العقدي عدم الالتزام بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، أو التخلي عن بعض مبادئها عمداً،أ و جهلاً بسبب ما يطرأ من الانحراف بسبب الشبهات والشهوات، ووساوس الشيطان وإغراءاته ونحو ذلك.
ولاشك أن هذا الخلل العقدي يؤدى إلى خلل الحياة ، التي تكمن سلامتها في اتباع المنهج الإسلامي الذي دعا إلى التمسك بمبادئ الأخلاق، ومنها أخلاقيات الأعمال.
ولا جدل أن كل مخالفة لأوامر الدين تعتبر مخالفة دينيه وأخلاقية في الوقت نفسه.
وعليه فإن كل مخالفة لأخلاق الأعمال كالسرقة، والتزوير والغش، واكل أموال الناس بالباطل، وتضييع الأوقات، وتعطيل مصالح الناس ونحو ذلك، كل ذلك سببه الخلل العقدي فلو آمن الإنسان بأن العقيدة تحرم كل ذلك لما أقدم عليه، “فما وقع من كثير من المسلمين من الغش والكذب، والخيانة في المعاملات، فإن هؤلاء المسلمين نقصوا من إسلامهم وإيمانهم بقدر ما خالفوا الشريعة فيه من هذه المعاملات”([30]).
2- الخلل الفكري:
بينت العقيدة الإسلامية علاقة الإنسان بالكون، وبخالق الكون سبحانه وتعالى، وبالغاية التي من أجلها خلق الإنسان، فهذا التصور الشامل لمعنى الكون والحياة يكوّن فكراً سليما خاليا من الخلل الفكري الذي يخرج بالإنسان عن هدفه وغايته فيضر نفسه ويضر غيره.
ويوضح ذلك: إن الله خلق الإنسان لعبادته بالمعنى الواسع للعبادة، وجعله من أفضل مخلوقاته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض لينتفع به في حدود ما شرعه الله له، وصولاً لتلك الغاية، ويسر له السبل للوصول إليها، وعليه فإن المال ما هو إلا وسيلة لتحقيق تلك الغاية.
وإذا استحضر الإنسان هذا “في ذهنه سيعرف مركزه الحقيقي في الدنيا وعلاقته بها وغايته في الحياة وبالتالي سيتقبل بنفس راضية جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الإسلامي..”([31]).
3- الخلل القيمي:
لاشك أن الخلل العقدي سبب رئيس للخلل الفكري والقيمي، كما أن الخلل الفكري والقيمي يؤديان إلى الخلل العقدي إذ هي أمور متلازمة.
ومن المعلوم أن القيم الأخلاقية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مادامت السموات والأرض فالخير والشر، والحق والباطل ما يزال في مفهومه الأصيل منذ أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، ولن يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ولن يغير الزمن في حركته وتطوره من ثبات القيم والأخلاق الإسلامية لأنها في مواجهة الفطرة التي لا تتغير([32]).
ولكن هناك أفكار هدامة حاولت -وتحاول- تجريد هذه القيم الإسلامية من مضامينها تارة، أو قلب معانيها إلى السلبية تارة أخرى، ساعية جهدها إلى تحطيم القيم الخلقية.
وقد استجاب لذلك بعض قليلي الإيمان من المسلمين حتى ظهرت مقولات لا تقبلها العقول السليمة، وترفضها الفطر المستقيمة فأصبحت الرشوة -عندهم- هدية، والنفاق مجاملة، وأكل الأموال العامة فطنة، وإيذاء الناس ونهرهم وتأخير مصالحهم قوة في الشخصية، وهكذا.
وهذا بلا شك قلب للحقائق، وانقلاب في المفاهيم والقيم الأخلاقية وهو بلا شك خلل قيمي يؤدي إلى خلل الحياة في جميع نواحيها.
2-: أبرز طرق تقويم الأخلاق:
لتقويم الأخلاق طرق متعددة، ومن أبرز تلك الطرق:
1- تقوية معاني العقيدة الإسلامية وترسيخها في الناشئة منذ نعومة أظفارهم داخل الأسرة قبل بلوغ سن الدراسة وذلك بتعليمهم الحلال والحرام، وتدريبهم على القيم الأخلاقية،التي تنشا من عقيدة صحيحة، ومن نشأ على عقيدة الصحيحة فلا خوف عليه -بإذن الله-، ولكن يحسن به أن يتعاهد تلك الأخلاق بين وقت وآخر، ويزيل عنها ما قد يكون علق بها من كدر، فيؤدى عمله بأمانة وإخلاص من خلال الرقابة الذاتية،أي: رقابة الضمير الإيماني.
2- علاج المشكلات الأخلاقية من خلال التصدي للأفكار والنظريات الهادمة والملوثة للقيم الأخلاقية وبيان القيم الصحيحة فـ”لابد من عملية تربوية شاملة تستهدف إحلال قيم واتجاهات سلوكية ايجابية، مثل: النزاهة والكفاية والفعالية، محل القيم غير الأخلاقية”([33]).
والتدليل على أن الأنماط والاتجاهات السلوكية الخاطئة ليست من الإسلام في شيء، وهذا يؤدي -كما سبق- إلى تربية أخلاقية مبناها على العقيدة الإيمانية الراسخة لأعلى النظريات والأفكار الوافدة المتغيرة بحسب الأزمان.
3- المحاسبة: “العقوبة”:
مبدأ الثواب والعقاب في الإسلام مبدأ أصيل، فلا يكفى أن يقال للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت فقط، فكما يكافأ المحسن، فلابد أن يعاقب المسيء بحسب أحكام الشريعة. فالعقوبة في الشريعة نوعان: حدود، وتعزيرات، فالحدود معروفة وإذا نحيناها جانباً فإن ما تبقى من مخالفات للقانون الأخلاقي تستوجب عقوبة تأديبية متنوعة، ولكن الشريعة الإسلامية لم تقدم جدولاً يختلف باختلافها، ولم تحرص على تقديمه([34]).
الخاتمة
وتشمل:
1- ملخص البحث.
2- أهم التوصيات.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث لعباد الله بالرحمات، وبعد:
فقد دار هذا البحث الموسوم بـ”منهج الدعوة الإسلامية في تأصيل أخلاقيات الأعمال والمسؤولية الاجتماعية” على أربعة مباحث تسبقها مقدمة وتتلوها هذه الخاتمة.
1- ملخص البحث:
بينت المقدمة أهمية الأخلاق وما لها من تأثير كبير في حياة الأفراد والأمم والشعوب، وقد اتضح من خلالها أن الأخلاق من أفضل العلوم نفعا ،وأعلاها قدراً، وأن السلوكيات الأخلاقية وآدابها هي التي تميز سلوك الإنسان عن غيره، وهي زينة الإنسان وحليته،وأن الالتزام بها يؤدي إلى تقدم الأمم والشعوب، بينما يؤدي انهيار الأخلاق إلى تأخر الأمم وتقهقرها، كما أن الالتزام بمكارم سبب لتحقيق السعادة للأفراد والجماعات، ولذلك اعتنت الشريعة الإسلامية بتأصيل الأخلاق الكريمة،والتحذير من سيئها عناية فائقة، من خلال آيات القرآن الكريم،والسنة المطهرة.
ثم تحدث الباحث في المبحث الأول عن: التعريف بمصطلحات البحث الرئيسة:
“الأخلاق”، “مفهوم العمل في الإسلام”، “المنهج الإسلامي”.
وفي المبحث الثاني كان الحديث عن: العمل في الإسلام.
وقد ناقش هذا المحور عدداً من القضايا منها: نظرة الإسلام إلى العمل من حيث مشروعيته، ونوعه وماهيته، وموقف الإسلام من البطالة، مدعماً كل ذلك بالدليل الصحيح من الشريعة الغراء.
أما المبحث الثالث فقد خصص للحديث عن أخلاقيات الأعمال:
التي يجب توافرها في العامل، وفي صاحب العمل على حد سواء، مع الإشارة إلى العلاقة التي تجب أن تكون بين الطرفين من خلال نظرة إسلامية إنسانية، موسومة بالعطف والرحمة.
وبين المبحث الرابع: أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال وطرق تقويمها:
حيث بين هذا المحور أن الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ، وبالتالي فإن الأحكام التي عالجت شؤون العمل والعمال لم تكن منفصلة عن بقية أحكام الشريعة، فالأخلاق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الإسلامية،
ثم أشار المبحث بعد ذلك إلى أهم الأسباب التي أدت، أو تؤدى، إلى تراجع أخلاقيات الأعمال -في نظر الباحث- وهي: الخلل العقدي الخلل الفكري، الخلل القيمي، ثم بين الباحث بعد ذلك أهم وسائل تقويم تلك الأخلاق من -وجهة نظره-، استنادا إلى أدلة الشرع المطهر الواردة في ذلك.
2- أهم التوصيات:
1- الاهتمام بتربية الناشئة منذ الصغر تربية أخلاقية وفق ما جاء في الشريعة الإسلامية.
2- إدخال مادتي: “الأخلاق الإسلامية” و”أخلاقيات المهنة” في المناهج الدراسية المختلفة ، وفق دراسات علمية متخصصة.
3- ضرورة إبراز أهمية القيم الأخلاقية في حياة الفرد والجماعة لما لها من تأثير كبير في حياتهم، وفي تقدم الأمة وازدهارها.
4- الاهتمام بأخلاقيات الأعمال، وبذل الجهد في سبيل نشرها وتحقيقها على أرض الواقع.
5- قيام وسائل الإعلام المختلفة،-المرئية، والمسموعة، والمقروءة- بأدوارها المنوطة بها..
6- الإفادة من الأبحاث المقدمة إلى الندوات والمؤتمرات التي تعنى بأخلاقيات المهنة عن طريق طبعها وتوزيعها على المؤسسات العامة والخاصة ذات العلاقة.
والله من وراء القصد، وصلى الله وسلمّ على نبينا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً.
د. تركي بن عبد الله السكران.
المملكة العربية السعودية
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
كلية الدعوة وأصول الدين
قسم الدعوة
هاتف: 505304464-00966
تلفاكس: 4842727 – 00966
البريد الإلكتروني:
al-sakran1427@hotmail.com
فهرس المصادر والمراجع
- 1. القرآن الكريم.
- 2. أخلاقنا، محمد ربيع جوهري، ط4، دار الفجر الإسلامية، المدينة المنورة 1420هـ/1999م.
- 3. أخلاقيات الخدمة العامة، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، ترجمة حمد القريوتي، مطابع الدستور التجارية، عمان، 1984م.
- 4. الأخلاق الإسلامية، نذير حمدان، ط1، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، 1410هـ/1990م.
- 5. الأخلاق في الإسلام، محمد موسى، ط2، العصر الحديث بيروت، 1412هـ/1991م.
- 6. الإسلام وضرورات الحياة، عبدالله قادري، ط 3، دار المجتمع.
- 7. أصول الدعوة، عبدالكريم زيدان، ط 3، دار الوفاء للطباعة، مصر، 1408هـ/1987م.
- 8. التربية الأخلاقية الإسلامية، مقداد يالجن، ط1، دار علم الكتاب، الرياض 1412هـ/1992م.
- 9. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ابن مسكويه، تقديم حسن تميم، دار مكتبة الحياة للطباعة والنشر، بيروت.
- 10. دستور الأخلاق في القرآن، عبدالله دراز.
- 11. العمل في الإسلام، عز الدين التميمي، دار عمان، الأردن.
- 12. علم الأخلاق الإسلامية، مقداد يالجن.
- 13. فصول من الأخلاق الإسلامية، عبدالله بن سيف الأزدى، ط1، دار الأندلس، 1420هـ/2000م.
- 14. فقه الأخلاق والمعاملات، مصطفى العدوى، ط1، دار ماجد عسيري، جده 1419هـ/1999م.
- 15. السياسة الشرعية، ابن تيمية، تقديم محمد المبارك، دار الكتب العربية، بيروت.
- 16. الفساد الإداري كمعوق لعمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، صلاح الدين فهمي، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1412هـ.
- 17. القاموس المحيط، الفيروزابادى، ط-الدار العلمية، بيروت
- 18. لسان العرب، ابن منظور، ط-دار صادر، لبنان
- 19. موسوعة أخلاق القرآن، أحمد الشرباحي، ط1، دار الرائد العربي بيروت، 1407هـ/1987م.
- 20. مكارم الأخلاق،محمد بن صالح العثيمين، ترتيب خالد أبو صالح، ط1، 1417هـ/1996م.
- 21. نحو ثقافة إسلامية أصيلة، عمر الأشقر، ط1، دار النفائس: عمان، 1421هـ/ 2000م.
فهرس المحتويات
M…. 2
المقدمة. 2
1- أهمية الأخلاق.. 2
2- التعريف بمصطلحات البحث الرئيسة:. 2
3-: معنى الأعمال في اللغة والاصطلاح:. 2
4-: معنى المنهج لغة واصطلاحا:. 2
المبحث الأول: العمل في الإسلام.. 2
1-: نظرة الإسلام إلى العمل:. 2
2-: ماهية العمل في الإسلام:. 2
3- محاربة الإسلام للبطالة:. 2
المبحث الثاني: أخلاقيات الأعمال وأثرها في المسؤولية الاجتماعية: 2
المبحث الثالث: أسباب تراجع أخلاقيات الأعمال و طرق تقويمها 2
1- تراجع أخلاقيات الأعمال:. 2
2-: أبرز طرق تقويم الأخلاق:. 2
الخاتمة. 2
فهرس المصادر والمراجع. 2
([1]) القاموس المحيط، فصل الخاء، باب القاف، ص236.
([2]) لسان العرب، مادة (خلق)، جـ2، ص 1244-1245.
([3]) المصدر السابق.
([4]) علم الأخلاق الإسلامية، مقداد بالجن، ص 34.
([5]) تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ابن مسكويه، ص 51.
([6]) أصول الدعوة، عبدالكريم زيدان، ص 79.7-التربية الأخلاقية الإسلامية، مقداد يالجن، ص81.
([7]) نحو ثقافة إسلامية أصيلة، عمر الأشقر، ص 157، نقلا عن بصائر ذوي التمييز، 2/658.
([8]) القاموس المحيط، فصل العين باب اللام ، ص322.
([9]) نحو ثقافة إسلامية أصيلة، ص 303.
([10]) القاموس المحيط، فصل النون، باب الجيم، ص 266.
([11]) فصول من الأخلاق الإسلامية، عبدالله بن سيف الأزدي، ص 7.
1- يعرف الفرض بأنّه تخمين ، و استنتاج ذكي يصوغه ويتبناه الباحث مؤقتا لشرح بعض ما يلاحظه من الحقائق والظواهر؛ ليكون هذا الفرض كمرشد له في البحث والدراسة الّتي يقوم بها .
أصول البحث العلمي ومناهجه ، د/ أحمد بدر ، ص : 99.
([13]) الإسلام وضرورات الحياة، عبدالله قادري، ص139، والحديث أخرجه البخاري برقم (2072).
([14]) المرجع السابق.
([15]) العمل، عز الدين التميمي، ص 45.
([16]) انظر: الإسلام وضرورات الحياة، ص143، والحديث أخرجه البخاري برقم (2143).
([17]) الإسلام وضرورات الحياة، محمد قادري، ص 138 عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 11/320 –321.
([18]) أصول الدعوة، ص 248، الإسلام وضرورات الحياة، ص142.
([19]) العمل في الإسلام، ص 52.
([20]) نحو ثقافة إسلامية أصيلة، ص: 158.
([21]) المفردات، مادة: قوى، ص 219.
([22]) السياسة الشرعية، ابن تيمية، ص 15-16.
([23]) الأخلاق في الإسلام، ص: 39-41 ينصرف، والحديث أخرجه أحمد (12324)، قال الألباني: كما في صحيح الجامع (7179): صحيح.
([24]) العمل في الإسلام، ص 74.
([25]) العمل في الإسلام، ص: 27-72، والحديث أخرجه الطبراني: (891)، وقال الألباني كما في صحيح الجامع: (3/106) صحيح.
([26]) فصول من الأخلاق الإسلامية، ص141, وللاستزادة انظر: الفساد الإداري كمعوق لعمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، صلاح الدين فهي محمود، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1412، ص 47.
([27]) انظر العمل في الإسلام ، ص 68، والحديث رواه الدارقطني والحاكم، وقال الألباني: كما في صحيح الجامع: (2160): صحيح.
([28]) المرجع السابق، ص 69. والحديث أخرجه ابن ماجه: (2443)، وصححه الألباني كما في الإرواء، (1498).
([29]) المرجع السابق، ص 73 والحديث أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.
([30]) مكارم الأخلاق، محمد بن صالح العثيمين، ص 51.
([31]) أصول الدعوة، ص 239.
([32]) الأخلاق الإسلامية، ص 33.
([33]) أخلاقيات الخدمة العامة، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، ترجمة: محمد القريوتي، ص128.
([34]) دستور الأخلاق في القرآن، عبدالله دراز، ص 274.