الخلل في مفهوم التكفير
من أخطاء الكثيرين منا : الخلل في مفهوم التكفير ؛ والخوض فيه دون علم صحيح.
فتنةً التكفير فتنة امتُحِن المسلمون بها عبرَ التأريخ، عانت منها الأمّة الإسلامية طويلاً، وذاقت مرارتَها وتجرّعت غُصصَها ردحًا من الزمن، كم نجَم عنها من سفكِ الدماء وتناثُر الأشلاء وحلَّ جرّاءَها من نكباتٍ وأرزاء؟.
وهي فتنة زلّت فيها أقدام وضلّت فيها أفهام، وبالتالي فهي جديرةٌ أن تشملها مؤتمرات التّذكير ومنتديات التفكير، لأن المجازفةُ بالتكفير شرٌّ عظيم، وخطر جسيم، يستحق من أجله أن: “تُسكَب العبرات ويُناح على الإسلام وأهلِه بما جناه التعصّبُ في الدين على غالبِ المسلمين من الترامي بالكُفر لا لسنّةٍ ولا لقرآن، ولا لبيانٍ من الله ولا لبرهان، بل لما غلَت به مراجلُ العصبيّة في الدين وتمكّن الشيطان الرجيم من تفريقِ كلمة المسلمين، لقَّنهم إلزاماتِ بعضِهم لبعض بما هو شبيهُ الهباء في الهواء والسّراب بقيعةٍ، فيا للهِ والمسلمين من هذه الفاقِرة التي هي أعظمُ فواقرِ الدين والرّزيةِ التي ما رُزِئ بمثلِها سبيلُ المؤمنين“.
على أن: “الأدلّة الدالّة على وجوب صيانةِ عِرض المسلم واحترامِه تدلّ بفحوى الخطاب على تجنُّب القدح في دينه بأيِّ قادِح، فكيف إخراجه عن الملّة الإسلاميّة إلى الملةِ الكفريّة؟! فإنّ هذه جنايةٌ لا يعْدلُها جناية وجرأةٌ لا تماثِلها جرأة…….”.
لذا فقد تواترت النصوصُ الزاجرة عن هذا المسلَك المشين، في كتاب العزيز المتين، وسنة سيد المرسلين.
فمن أدلة الكتاب الكريم: قول الحق سبحانه: ” ولاتقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ……. الآية “.
ومن أدلة السنة المطهرة: ما رواه ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافر فقد باء به أحدُهما، فإن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه»
.
وعلى هذا النهَج القويم سارَ صحابةُ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي سفيانَ قال: “سألتُ جابرًا وهو مجاورٌ بمكّة: هل كنتم تزعُمون أحدًا من أهل القبلة مشركًا؟ فقال: معاذ الله، وفَزع لذلك، فقال رجلٌ: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرًا؟ قال: لا“.
وقد حدد أهل العلم ضوابط لقضية التكفير، من أهمها:
1- أنّ التكفيرَ حكم شرعيٌّ ومحضُ حقّ الله سبحانه ورسوله: يقول شيخ الإسلام رحمه الله: “فليس لأحدٍ أن يكفِّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلِط حتى تُقامَ عليه الحجّة ويبيَّن له المحجَّة، ومن ثبت إسلامُه بيقين لم يزل عنه ذلك بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامةِ الحجة وإزالة الشبهة.
2- وجوب التفريق بين الفِعل والفاعل والإطلاقِ والتعيين وتنزيل النصوص على الوقائِع والأشخاص.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: “فإنّ نصوصَ الوعيد التي في الكتابِ والسنة ونصوصَ الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوتَ موجبِها في حقِّ المعيَّن إلاّ إذا وُجِدت الشروط وانتفَت الموانِع، لا فرقَ في ذلك بين الأصول والفروع“.
3- معرفة أنَّ الكفرَ نوعان: أكبر وأصغر، اعتقاديّ وعمليّ. وهذا ممّا التبس على كثيرٍ ممّن يتراشقون بالتكفير، فغفلوا عن الجمع بين النصوص والمنهجِ الصحيح فيما ظاهره التعارضُ.
4- أنّه لا يُكفَّر باللوازِم من الأقوال، ولا يُعتبَر بما تؤول إليه مِن أفعال.
يقول الإمام الشاطبيّ رحمه الله: “مذهبُ المحقِّقين من أهلِ الأصول أنَّ الكفرَ بالمآل ليسَ بكفرٍ في الحال“.
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: “إنَّ الذي يُحكَم عليه بالكفر مَن كان الكفرُ صريحَ قوله، وكذا من كان لازمَ قوله وعُرِضَ عليه فالتزمَه، أمّا من لم يلتزمه وناضَل عنه فإنّه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا“.
وعندما شاع الجهل القبيح، وقل العلم الصحيح، وغلب البعض شهوته، وشبهته، انحرف مسار بعض الجماعات عن الطريق المستقيم، فآثرت العدوان المبين، على عباد الله الموحدين، حكاما ومحكومين، بدعوى خروجهم عن الدين، ومفارقتهم للمسلمين، هكذا زعموا!.
ففي عام (1973م)، أحيا (شكري أحمد مصطفى)، الفكر الخارجي المقيت، مناديا أتباعه بالخروج إلى الجبال والصحراء، لأن الأمة الإسلامية كافرة في نظره حكاما ومحكومين، بسبب ما لديهم من معاصي!!.
ومن غرائب عقائدهم الباطلة:
1- أن من أخذ بأقوال الأئمة بالإجماع حتى ولو كان إجماع الصحابة أو بالقياس أو بالمصلحة المرسلة أو بالاستحسان ونحوها فهو في نظرهم مشرك كافر.
2- أن العصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري كلها عصور كفر وجاهلية لتقديسها صنم التقليد المعبود من دون الله تعالى فعلى المسلم أن يعرف الأحكام بأدلتها ولا يجوز لديهم التقليد في أي أمر من أمور الدين.
3- أن قول الصحابي وفعله ليس بحجة ولو كان من الخلفاء الراشدين.
4- أن كبار علماء الأمة في القديم والحديث -بزعمهم- مرتدون عن الإسلام، وبالتالي فلا قيمة لأقوالهم وكتبهم في التفسير والعقائد.
5- دعوتهم إلى الأمية لتأويلهم الخاطئ لحديث: « نحن أمة أمية … »، فدعوا بناء عليه إلى ترك الكليات ومنع الانتساب للجامعات والمعاهد الإسلامية، لأنها مؤسسات طاغوت داخلة ضمن مساجد الضرار.
6- ترك صلاة الجمعة والجماعة بالمساجد لأن المساجد كلها ضرار وأئمتها كفار إلا أربعة مساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي وقباء والمسجد الأقصى ولا يصلون فيها أيضاً إلا إذا كان الإمام منهم.
7-الزعم أن: شكري مصطفى، هو مهدي هذه الأمة المنتظر وأن الله تعالى سيحقق على يد جماعته ما لم يحقق عل يد محمد صلى الله عليه وسلم من ظهور الإسلام على جميع الأديان.
إن فتنة التكفير من أخطرِ ما بُليت به الأمّة فحوّلتها إلى إسرافٍ في أطراف، وقد بدأت هذه الفتنةُ بحَرب كلام، وانتهت إلى استحلال الدم الحرام، وزاد شططُها حينما حُمِل السلاحُ في وجه الأمّة، وأذكِيت نارها حينما برزت في صورةِ فتاوًى تكفيريّة تحريضيّة، ضد دولة التوحيد، وقبلة المسلمين، وبكل أسف تلقّف تلك الفتاوى حُدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، فسلكوا مسالكَ أهل البغيِ والإجرام، بدعوى أن الأمّة ممزّقةً والممتلكات مغتصَبة والمقدَّسات مستَلبَة فهل المخرَجُ من هذه الرزايا هو تكفير الوُلاة والخروجِ على الجماعة وحمل السلاح في وجه الأمة؟!.
ألا يفيق هؤلاء؟! ألا يعتبِرون بمن حَولهم؟! ألم يقرؤوا التاريخَ ليدركوا كم أضرَّ هذا الفكرُ بالأمّة وصدّها عن دينها وخوّف شبابها من التمسُّك بالسنة والتزام الشريعة؛؛
إضاءات ::
1- قال الحق سبحانه :” واتقوا الله ويعلمكم الله …. الآية “.
2- إقرأ التأريخ إذ فيه العبر @@ ضل قوم ليس يدرون الخبر .


جزاك الله خير ياشيخنا …
أشكركم على هذه الإضاءات …
ولو رجع المسلمون إلى علمائهم في مثل هذه الأمور لسلموا ولسلمت الأمة .