أهلاً وسهلاً بك في موقعي

الزائر الكريم : سلام الله عليك ورحمة منه وبركات . حيهلا بك في موقع أخيك ؛ الذي يشرف بزيارتك ؛ ويتطلع إلى أن يفيد منك ؛ أكثر ممايفيد هو منك . جعل الله أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه الكريم ؛ وأظلنا جميعا تحت ظل عرشه ؛ يوم لاظل إلا ظله ؛ آمين . أخوكم : أبو عبدالله .

التوكل على رب العباد : شجرة طيبة، لا تؤتي إلا ثماراً طيبة، على الفرد ؛ والمجتمع .
والمتتبع لآي الكتاب الكريم؛ وسنة النبي الرحيم ؛ يجد من ثمرات صدق التوكل على الله مالا يحصى .

ومن أهم تلك الثمرات ؛ بشيء من الاختصار ؛بعد الاستعانة بالعزيز الغفار:

1 -السكينة والطمأنينة :-

أولى هذه الثمار: سكينة النفس، وطمأنينة القلب، التي يشعر بها المتوكل على ربه،ويحس بها تملأ أقطار نفسه، فلا يحس إلا الأمن إذا خاف الناس، والسكون إذا اضطرب الناس، واليقين إذا شك الناس، والثبات إذا قلق الناس، والأمل إذا يئس الناس، والرضا إذا سخط الناس .

إنها الحالة التي وجدها موسى عليه السلام، حين قال له أصحابه: “إنَّا لمدركون” ؛ “قال كلا، إن معي ربي سيهدين”؛ “الشعراء62.

إنها الحالة التي وجدها النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حين أشفق عليه أبو بكر، فقال له: “لا تحزن إن الله معنا” ؛ “التوبة ؛40

وهي الحالة التي وجدها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار، فلم يشتغل بسؤال مخلوق من إنس أو ملك! ولم يشتغل إلا بقوله:” حسبي الله ونعم الوكيل “.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل” قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: (إن الناس قد جمعوا فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)
ولله در القائل :

فوحقه لأسلمن لأمره
في كـل نازلة وضيق خناق!
موسى وإبراهيم لما أسلما
سلما من الإغراق والإحراق!

كما إنها الحالة التي وجدتها هاجر حين وضعها إبراهيم مع ابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، في مكة عند مكان البيت المحرم، ولا أنيس ولا جليس،ثم ودعها قافلاً، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: هو إذن لا يضيعنا!

2- القـــــــــــوة :

ومن هذه الثمار: القوة التي يحس بها المتوكل على الله. وهى قوة نفسية روحية تصغر أمامها القوة المادية، قوة السلاح، وقوة المال،وقوة الرجال .
وفي حديث – فيه ضعف – : “من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده

ويتضح ذلك في عدد لايحصى من قصص الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – ؛ومن تلك القصص : قصة نوح – عليه السلام – ،حين كذبه قومه، واتهموه بالجنون، وأصروا واستكبروا استكباراً، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، فواجههم بقوله: “يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون * فان توليتم فما سألتكم من أجرٍ، إن أجري إلا على الله،وأمرت أن أكون من المسلمين ” ؛ “يونس: 71- 72

كما تتضح هذه القوة في موقف نبي الله هود – عليه السلام – أمام قومه:” عاد ” الذين أنكر عليهم شركهم وفسادهم وتجبرهم، وهم الذين بنوا بكل ريع آية يعبثون، واتخذوا قصوراً ومصانع لعلهم يخلدون، وإذا بطشوا بطشوا جبارين،وهم الذين استكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟
لقد واجههم – عليه السلام – ؛ ودعاهم إلى التوحيد والاستقامة وتقوى الله فـ: ” قالوا يا هود ماجئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلااعت راك بعض آلهتنا بسوء…”؛ ” هود 53،54

ولم يبال – عليه السلام – بهذا الهراء ووقف يقول في يقين القوي، وقوة المؤمن :” إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلاهو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً، إن ربي على كل شيء حفيظ” ؛ ” هود:54ـ57

و من أبرز تلك القصص : موقفه صلى الله عليه وسلم، وهو يحفر الخندق، ثم هو يعد أصحابه بفتح اليمن، وفتح مملكتي كى وقيصر. وهوما جعل أهل النفاق يتندرون ويسخرون: “وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا “؛ “الأحزاب12

وكذلك كان شأن المنافقين أبداً.يتهمون المؤمنين من أصحاب النبي الكريم بالتهور والغرور، وذلك لأنهم لا يبالون بعددعدوهم ولا عدته، متوكلين على الله تعالى. وهذا ماتشير إليه الآية الكريمة :” إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ” ؛ “الأنفال؛49.

وتتضح هذه القوة في موقف صحابة رسول الله يوم الأحزاب، وقد تجمعت جيوشهم وحاصرت المدينة، فلم يفت ذلك في عضد المسلمين، بل كانوا كما وصفهم الله: ” ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ومازادهم إلا إيماناً وتسليماً ” ؛ “الأحزاب: 22 “.

3- العزة :

ومن ثمار التوكل: العزة، التي يحس بها المتوكل، فترفعه مكاناً علياً، وتمنحه ملكاً كبيراً، بغير عرش ولا تاج، وهي قبس من عزة المتوكَّل عليه، كما قال تعالى: “وتوكل على العزيز الرحيم” “الشعراء: 217″، (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم؛”الأنفال: 49

فالمتوكل هنا عزيز بغير عشيرة، غني بغير مال، ملك بغير جنود ولا أتباع .

أجل هو ملك، ولكنه من ملوك الآخرة، ممن تعلقت قلوبهم بالله تعالى، لايرجون إلا رحمته، ولا يخافون إلا عذابه.

قال أحد الخلفاء لأحد علماء السلف الصالح يوماً:ارفع إلينا حوائج دنياك نقضها لك!
قال: إني لم أطلبها من الخالق فكيف أطلبها من المخلوق؟!

يريد أن الدنيا أهون عنده من أن يسألها من الله تعالى، فهو إذا سأل ربه يسأله ما هو اعظم وأعلى من الدنيا وهو الآخرة والجنة ورضوان الله تبارك وتعالى .

وقد بيَّن الله عز وجل أن طلب العزة من عند غيره إنما هو شأن المنافقين فقال :” بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً” ؛ “النساء: 138، 139″.

قال ابن عطاء الله عن شيخه أنه سمعه يقول: “والله مارأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق

قال: وكان يقول رحمه الله: “للناس أسباب، وسببنا نحن الإيمان والتقوى .. قال الله سبحانه: “ولو أن أهل القرى آمنواواتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض” “الأعراف: 96“.
والمعنى : وليس من الإيمان والتقوى مد الأيدي ولا الأعين إلى ما عند الخلق .

وقالرحمه الله -: “اعلم أن رفع الهمة عن الخلق، شأن أهل الطريق، وصفة أهل التحقيق

حرام على من وحد الله ربّه
وأفــرده أن يجتدى أحداً رفدا!
ويا صاحبي قف لي مع الحق وقفة
أموت بها وجداً، وأحيا بها وجدا!

فعز المؤمن الحقيقي : بالله ثقته بمولاه، ونصرته على نفسر ومراه، ونجاته من العوارض أن تقطعه عن سبيل هداه .
وشعار أهل الإرادة ودثارهم: الاكتفاء بالله، ورفع الهمة عما سواه، وصيانة ملابس الإيمان من أن تدنس بالميل إلى الأكوان، والطمع في غير الملك المنان.

أيها الحبيب :

إعلم أن الذي يوجب لك رفع الهمة عما سوى الله: علمك بأنه لم يخرجك إلى مملكته إلا وقد كفاك، ومنحك وأعطاك، ولم يبق لك حاجة عند غيره“.

ف “لا تطلب ممن هوعنك بعيد، وتترك الطلب من مولى هو أقرب إليك من حبل الوريد
ألم تسمع قول الله تعالى: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب” ؛ “البقرة : 186“.
وقوله سبحانه: “أ ادعوني أستجب لكم “؛غافر: 60“.

وقوله عز وجل : “واسألوا الله من فضله ” “النساء32.

قوله جل في علاه: “وان من شيء إلا عندنا خزائنه” ؛الحجر:21“.

وكل ذلك ليجمع همم عباده عليه، وكيلا يرفعوا حوائجهم إلا إليه“!.

4- الرضــــــا :

ومن ثمرات التوكل على الله “الرضاالذي ينشرح به الصدر،وينفسح له القلب.

قال بعض أهل العلم
: “
متى رضيت بالله وكيلاً، وجدت إلى كل خير سبيلاً“.

وسئل يحيى بن معاذ – رحمه الله -: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: “إذا رضي بالله وكيلاً“.

ويرى ابن قيم الجوزيةرحمه الله -: ” أن الرضا ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل به فإنما فسره بأجل ثمراته، وأعظم فوائده، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله .
قال:وكان شيخنا -رضى الله عنه- يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده،فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية. أومعنى هذا.
ومن لوازم الرضا وتوابعه: الفرح والروح، وهو ما روى في حديث ابن مسعود مرفوعاً: “إن الله عز وجل بقسطه وعدله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين،وجعل الغم والحزن في السخط والشك“.

إن المتوكل موقن أن تدبير الله خير له من تدبير نفسه وأنه أبداً في كفاية الله تعالى وكفالته ووكالته، وكفى بالله وكيلاً،وكفى بالله كفيلاً. ولهذا ألقى حموله وهمومه عند باب ربه ؛فاستراح من الهم والعناء وردد مع ذلك الحادي :
سهرت أعين ونامت عيون
في أمور تكون أو لا تكون
إن ربّا كفاك بالأمس ما كان
سيكفيك في غدٍ مايكون

5- الأمــــــــــل :

ومن ثمرات التوكل: الأمل في الفوز بالمطلوب والنجاة من المكروه، وانقشاع الغمة، وانفراج الكربة، وانتصار الحق على الباطل، والهدى على الضلال، والعدل على الظلم.
فالمتوكل على الله لا يعرف القنوط إلى قلبه سبيلاً،ولا يغلبه اليأس. فقد علمه القرآن أن القنوط من لوازم الضلال، واليأس من توابع الكفر .

قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : “قال ومن يقنط من رحمة ربه إلاالضالون ” “الحجر ؛56
وقال حكاية عن يعقوب عليه السلام : “يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ” ؛ “يوسف ؛ “87
قال ذلك إبراهيم في مقام إنجاب الشيخ الهرم بعد أن أصابه الكبر .
وقال ذلك يعقوب في مقام البحث عن يوسف وأخيه بعد أن طال فراقه ليوسف، وانقطاع أخباره عشرات السنين، ولكنه لم يفقد الأمل، قال: “عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، إنه هوالعليم الحكيم “؛ “يوسف ؛ 83

إن المتوكل على الله يعلم أن الملك كله بيدخالقه ومدبر أمره، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير .

إن شاء أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوى الضعيف، وأضعف القوي، ونصر المظلوم،وأخذ الظالم، وشفى المريض، ويسر على المعسر، وأعز الذليل، وأذل العزيز، قد يفعل ذلك لأسباب معتادة معروفة، وقد يفعله بأسباب غير مألوفة، لا حجر على مشيئته، ولا ينازعه أحد في سلطانه. قد يستدرج الظالم ويملي له سنين، حتى يتوهم أن الله قد نسيه! وقديأخذه في لمح البصر أو هو أقرب. وقد يغيث الملهوف، وينفس عن المكروب، من حيث لايحتسب هو ولا يحتسب الناس من حوله .
وحقا :
ما بين غمضة عين وانتباهتها

يغير الله من حال إلى حال .

وأعلم أيها المبارك :

إن دوام الحال من المحال، وسيجعل الله بعد عسر يسراً، وسيطلع بعد كل ليل فجراً .

ولربّ نازلة يضيق بهاالفتى

ذرعاً، وعند الله منها المخـرج
ضاقت فلمااستحكمت حلقاتها
فرجت، وكنت أظنها لا تفرج

فإن قال لك قائل: لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، فقل له: لا يأس مع التوكل، ولا توكل مع اليأس.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسع الناس أملاً في الغد، ورجاءً في النصر، حتى في يوم الهجرة، وهو راحل من بلده، مطارد من قومه، يقول لسراقة بن مالك الذي يطارده رغبة في جائزة قريش: “كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى”؟ فيقول الرجل: كسرى بن هرمز؟! فيقول: “نعم كسرى بن هرمز“.

ويقول لخباب وقد جاءه يشكو من شدة ما يلقى من العذاب، ويسأل أن يدعوالله على المشركين فيدمر عليهم، ويريح المؤمنين من شرهم وأذاهم، فيغضب النبي الكريم، ويبين له ما حدث لمن قبلنا من المحن، ثم يقول مبشراً: “والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون“.
وقد تحقق كل ما بشر به النبي سراقة وخباباً .

فيا أيها المظلوم والمغلوب، ويا أيها الملهوف والمكروب، ويا أيها المجروح والمنكوب، لا تيأس، وإن توالت عليك الخطوب، وسدت في وجهك الدروب، فإن علام الغيوب،وغفار الذنوب، وستار العيوب، ومقلب القلوب، سيفرج عنك الكروب، ويحقق لك المطلوب،كما كشف الضر عن أيوب، ورد يوسف على يعقوب .

وأرع سمعك رعاك الله لقول الحق سبحانه :
وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين * وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل من الصابرين *وأدخلناهم في رحمتنا، إنهم من الصالحين * وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدرعليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ” .”الأنبياء: 83 – 88

هذا ما أدركه وقت محبك ؛ وجهد الداعي لك بظهر الغيب ؛ قائلا :

وفقنا الباري جميعا لطريق الحق والصواب ؛ وجعلنا ممن توكل حقا على مسبب الأسباب ؛ ومنزل الكتاب ؛ ومنشيء السحاب ؛ وهازم الأحزاب ؛ سبحانه هو العزيز الغفار الوهاب .

تركي بن عبدالله السكران

جده ؛ 13/8/1430هـ

التصنيفات : التأسيس

أضف تعليق